السيد محمد تقي المدرسي
312
من هدى القرآن
[ 4 ] ثم يبدأ القرآن بالحديث عن فرعون رمز الفساد والباطل : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ لقد استعلى فرعون وسيطر على الناس ، ولكن لم يستفد من السلطة في خير شعبه ولا نفسه ، وفي آية قرآنية تأتي في آخر هذه السورة يقول ربنا : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . إن الذي يحب الرئاسة والسيطرة ، ويتحول الحكم عنده من وسيلة إلى هدف ، فإنه ينشر الفساد ، وكم من الجرائم وقعت في التأريخ ، ولا زالت على مذبح حب الرئاسة . ومن طرائف التأريخ « 1 » : أن الإمام موسى الكاظم عليه السلام دخل يوما على الرشيد ، فأجله واحترمه بصورة أدهشت الجالسين حوله ، ولما أراد الإمام أن يقوم من مجلسه ، قام الرشيد وأقبل على الأمين والمأمون قال : يا محمد ويا إبراهيم ! سيروا بين يدي عمكم ، وسيدكم ، وخذوا بركابه وسووا عليه ثيابه . فاستغرب المأمون من أبيه هذا الصنيع ، فسأله عن سبب هذا الاحترام والتقدير ، فقال الرشيد : يا بني إنه صاحب الحق ، فقال له المأمون : إذا كنت تعلم ذلك فرد عليه حقه ، فنظر إليه والده وقال : الملك عقيم ، والله لو نازعتني الذي أنا فيه لأخذت الذي فيه عيناك . وهذه صورة من التأريخ عن الإنسان حينما يضحى الحكم عنده هدفا ، فهو يتشبث به حتى لو خالف العقل والشرع في وسائله للوصول إليه ، وفرق كبير بين الذي يريد الحق والآخر الذي يريد العلو والتسلط . وفرعون كان يريد العلو ، لذلك أفسد في الأرض ، وأعظم إفساده التمييز الطائفي ، حيث جعل فريقا من الناس متسلطا على الفريق الآخر ، ويبدو أن هذه طريقة كل نظام فاسد وهو تقسيم الناس إلى فريقين ، فريق يحكم وفريق يستضعف ، وقد يكون هذا التقسيم على أساس طائفي ، أو عنصري ، أو حزبي أو غيرها ، حيث تتعدد الصور ولا يختلف الجوهر ، وهو صنع أداة للسلطة الفاسدة يتحكم بها الطاغوت على الناس . وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ إذا كانت الأمة متحدة ، فإن الطاغوت لا يستطيع التسلط عليها ، لذلك سعى فرعون لتفريق بني إسرائيل أحزابا ، عملا بقاعدة ( فرق تسد ) التي هي أداة السلاطين في جرائمهم ، إلا إن فرعون لم يكتف بالتفرقة وحدها ، وإنما أضاف لها سياسة أخرى هي الإرهاب يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وكان فرعون يذبح الأطفال الرضع الذين عادة ما تكون عواطف البشر مركزة فيهم . في هذا البرعم الصغير ، وفي هذه البراءة النقية .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 48 ، ص 129 .